الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
18
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح )
الثاني : من يستحبّ له ؛ وهو من له شهوة ، ولكن يأمن معها الوقوع في الحرام ، ونقل هذا القول عن جماعة كثيرة . الثالث : من ليس له شهوة ، كالعنّين ، فذُكِر فيه وجهان : أحدهما : أنّه يستحبّ له النكاح ؛ لعموم الأدلّة ، وثانيهما : أنّ تركه أفضل ؛ لعدم حصول مصالح النكاح ، وربما يضرّ صاحبه ، كما هو ظاهر « 1 » . والعمدة : أنّ النكاح قد يجب ؛ لخوف الوقوع في الحرام على فرض تركه ، أو لوجوب حفظ الموازنة في المواليد بين المسلمين وغيرهم وعلوّهم عليهم ، أو شبه ذلك ، وقد يحرم ؛ لمزاحمة واجب معيّن فوري ، مثل المزاحمة للجهاد أو الحجّ ولو كان في زمن قصير ، والباقي سهل . هل يكون استحباب النكاح مشروطاً ؟ إنّ غير واحد من الأكابر ، قيّدوا استحباب النكاح بمن تاقت نفسه ؛ أي اشتاقت إليه « 2 » . ولازمه عدم استحبابه لمن لم يشتق ، مع أنّك قد عرفت أنّ حكمة هذا الحكم بحسب نصوص الباب ، ليست مجرّد حفظ العفّة والتقوى ، بل بقاء النسل وإكثار نفوس الامّة المسلمة ، من أظهر حِكمه ، وهذا لا يتوقّف على توقان النفس ، ولذا ذهب المشهور إلى استحبابه مطلقاً ، فالفتوى بعدم استحبابه بمجرّد عدم التوقان بعيدة . وأبعد من ذلك القول باستحباب الترك لمن لا يشتهيه ، قال شيخ الطائفة في « المبسوط » : « الناس ضربان : مشتهٍ للجماع وقادر على النكاح ، وضرب لا يشتهيه ، فالمشتهي يستحبّ له أن يتزوّج ، والذي لا يشتهيه المستحبّ أن لا يتزوّج ؛ لقوله تعالى : » في مقام مدح يحيى « . . . وَسَيِّداً وَحَصُورَاً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ « 3 » ، فمدحه
--> ( 1 ) . المغني ، ابن قدامة 7 : 334 . ( 2 ) . التوق والتوقان : بمعنى الاشتياق والإسراع في الشيء ، وفيضان الدمع ، والمراد به هنا الأوّل [ منه دام ظلّه ] . ( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 39 .